ليس ما تقوله بل كيف تقوله
سحر التأطير الإعلامي في التسويق
تخيّل نفسك في سوق بريدة للتمور، البائع أمامك يعرض نفس التمر الذي يعرضه جاره. “أبو ناصر” يقول: “تمرنا من مزارع القصيم الأصيلة”، وجاره “أبو فهد” يعلن: “تمرنا مضمون ومختبر في المعمل”.
التمر واحد، لكن العدسة التي وُضع فيها تغيّر إحساسك. هذه هي قوة التأطير الإعلامي.
ماذا يعني “التأطير” أصلًا؟
التأطير الإعلامي هو ببساطة فن وضع المعلومة داخل إطار لغوي أو بصري يوجّه إدراك الناس.
لنفترض أنك تبيع منتجًا صحيًا:
- إذا قلت “90% من الناس شعروا بتحسّن”، فأنت تضعه في إطار إيجابي.
- وإذا قلت “10% لم يشعروا بأي فرق”، فالإطار هنا سلبي.
في التسويق، التأطير هو الفرق بين إعلان يثير الحماس وآخر يمرّ مرور الكرام.
الكلمات تغيّر المشاعر لا الحقائق
الكلمات لا تغيّر جوهر المعلومة، لكنها تغيّر الطاقة العاطفية المحيطة بها؛ فإعلان يقول: “وفّر 200 ريال” يثير شعور المكسب، بينما إعلان آخر يقول: “لا تخسر 200 ريال” يثير شعور الخوف. والمعلومة واحدة في الحالتين،لكن المشاعر مختلفة، والقرار يتأثر بالمشاعر أكثر من الحقائق.
أنواع التأطير وتأثير كل نوع
حين نتحدث عن التأطير الإعلامي، فإننا نتحدث عن عدسات مختلفة يرى الجمهور من خلالها نفس المعلومة، لكن بانطباعات متباينة. وفي السوق السعودي، يمكن أن نلمس هذه الأطر في حملات الشركات والجهات الرسمية بشكل واضح:
- الإطار المحدد بقضية: يركّز على تفاصيل ملموسة مرتبطة بحدث أو قضية معينة. يظهر ذلك في حملات وزارة الصحة أثناء الأزمات الصحية، حيث تُبرز عدد المراكز الطبية أو نسب التطعيم بشكل مباشر وواضح.
- الإطار العام: يضع القضية في سياق اجتماعي أو ثقافي أوسع، مثل حملة وزارة الحج والعمرة التي تربط تنظيم الحج بالقيم الإسلامية وخدمة ضيوف الرحمن باعتبارها مسؤولية وطنية.
- الإطار الإيجابي: يبرز المكاسب والنتائج الإيجابية، ويُستخدم بكثرة في الحملات التسويقية. مثال ذلك إعلان شركة الاتصالات السعودية STC، “نضمن لك أسرع إنترنت بس ما نضمن حياتك بنفس السرعة!”، حيث يركّز على قيمة السرعة كميزة أساسية.
- الإطار السلبي: يبرز الخسائر والمخاطر، ويُستخدم في الحملات التحذيرية. مثل إعلان وزارة الصحة «لحظة عابرة، لا تفقد فيها أغلى ماعندك..اتخذ قرارك، وبكل سرية وخصوصية يمكنك بدء رحلة التعافي».
- إطار الصراع: يسلّط الضوء على المنافسة أو المواجهة بين أطراف مختلفة. نراه في الحملة الجديدة لشركة موبايلي التي تقول: «لأن كل ثانية تفرق… تستحق شبكة سابقة»، لتضع نفسها في مواجهة مباشرة مع المنافسين.
- إطار القيم الإنسانية: يركّز على القصص الإنسانية والعاطفية، مثل إعلان جمعية إنسان لرعاية الأيتام «الخيــر تاليـه خيــر ..» حيث يُربط الفعل البسيط بأثر إنساني كبير.
- الإطار الأخلاقي: يحمّل جهة أو فردًا مسؤولية قضية معينة، ويُستخدم في الحملات التوعوية. مثال ذلك حملة المركز الوطني لإدارة النفايات (موان) بعنوان «الامتثال لتجنب المخالفات وتحسين جودة الحياة» لمتابعة التزام المنشآت بالأنظمة واللوائح، وردع المخالفين، لتؤكد أن الامتثال هو الحل الأمثل لتجنّب المخالفات والحد منها.
كل إطار يفتح بابًا مختلفًا في عقل المستهلك، ويقوده إلى قرار مختلف.
من المختبر إلى السوق
التأطير لم يبدأ في السوق، بل في المختبرات النفسية.
في السبعينات، قدّم العالمان دانيال كانيمان وأموس تفيرسكي تجارب أظهرت أن الناس يتخذون قرارات مختلفة بناءً على طريقة عرض نفس المعلومة. اليوم، انتقل هذا العلم من المختبر إلى السوق، ليصبح التأطير لغة يومية في التسويق.
كيف تستخدم شركات عالمية “التأطير”؟
التأطير الإعلامي ليس حكرًا على السوق المحلي، بل هو أداة عالمية تستخدمها كبرى الشركات.
على سبيل المثال، شركة آبل حين تطلق منتجًا جديدًا، تضعه في إطار الابتكار والتميز، فتقول: “أقوى آيفون على الإطلاق”، لتبرز المكسب وتغرس شعور التفرد لدى المستهلك.
في المقابل، شركة كوكا كولا تعتمد إطار القيم الإنسانية، فتربط منتجاتها باللحظات العائلية والاجتماعية، مستخدمة عبارات مثل: “افتح السعادة”، لتجعل المشروب رمزًا للبهجة المشتركة.
هذه الأمثلة العالمية تشبه ما نراه محليًا؛ فكما تبرز آبل الابتكار، نجد شركات الاتصالات السعودية مثل STC تبرز السرعة، وكما تربط كوكاكولا منتجاتها بالعاطفة، نجد مطاعم مثل الرومانسية تربط وجباتها بالحنين والدفء الأسري.
المقارنة هنا توضّح أن التأطير لغة مشتركة بين الأسواق، لكنه يتكيّف مع الثقافة المحلية ليصبح أكثر تأثيرًا.
الإعلام التقليدي مقابل الإعلام الرقمي
في الماضي، كان التأطير الإعلامي يظهر في الصحف والتلفزيون عبر عناوين طويلة وصياغة رسمية مثل إعلان في صحيفة قد يقول: “90% من العملاء راضون عن الخدمة”، في إطار إيجابي مباشر.
أما اليوم، في عصر الإعلام الرقمي، تغيّر الأسلوب جذريًا على منصات مثل إكس (تويتر سابقًا) وإنستقرام، حيث أصبح التأطير يعتمد على جمل قصيرة وصور جذابة وهاشتاقات لافتة، مثل إعلان شركة موبايلي على منصة إكس اكتفى بعبارة: “#شبكة_سابقة“، ليضع نفسه في إطار الصراع مع المنافسين.
بينما إعلان من وزارة الصحة على منصة يوتيوب استخدم صورة مؤثرة مع عبارة: “لا تفقد فيها أغلى ما عندك“، في إطار سلبي تحذيري.
الفرق بين التقليدي والرقمي أن الأول يعتمد على التفاصيل والشرح، بينما الثاني يعتمد على السرعة والاختصار، لكن كلاهما يوظّف التأطير ليؤثر في الجمهور.
أخطاء في التأطير الإعلامي
رغم قوة التأطير، إلا أن استخدامه بشكل غير مدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
من أبرز الأخطاء: المبالغة في الإطار السلبي، مما يخلق حالة من الخوف المفرط لدى الجمهور ويدفعه لتجاهل الرسالة، على سبيل المثال إعلان تحذيري مبالغ فيه قد يجعل المستهلك يشعر أن الرسالة غير واقعية.
زلة تسويقية في استخدام إطار الصراع بشكل هجومي، كما يحدث أحيانًا في بعض الحملات التجارية حين تهاجم شركة منافسها بشكل مباشر، فيُنظر إليها على أنها عدائية بدل أن تكون جذابة.
أيضًا، تجاهل القيم الإنسانية يُعد خطأ شائع؛ إذ أن المستهلك السعودي يتأثر كثيرًا بالرسائل التي تلامس العاطفة، مثل حملات الجمعيات الخيرية. لذلك، على الشركات أن توازن بين الإيجابي والسلبي، وبين المنافسة والقيم، لتجنب فقدان الثقة أو إثارة ردود فعل سلبية.
التأطير الناجح ليس مجرد اختيار كلمات، بل هو فن قراءة الجمهور وتوقع استجابته.
الإطار الذكي = علامة ذكية
العلامة التجارية الذكية ليست تلك التي تملك أفضل منتج فقط، بل تلك التي تعرف كيف تؤطر رسالتها، مثل:
إعلان لمطعم شعبي
الأول يقول: «أطباقنا مثل طبخ البيت»، فيُشعل الحنين.
بينما مطعم آخر يقول: «أطباقنا تُحضّر بأحدث تقنيات الطهي»، فيُشعل الفضول.
كلاهما يبيع نفس الكبسة، لكن الإطار هو ما يحدد الجمهور المستهدف.
مقهى قهوة
الأول يقول: «قهوة تعدّل المزاج»، فيخاطب شعور التعب والحاجة للراحة.
بينما مقهى آخر يقول: «قهوة مختصة من محصول نادر»، فيخاطب الذائقة والبحث عن التجربة.
نفس القهوة، لكن الإطار هو ما يغيّر طريقة استقبالها.
ملابس وأزياء
الأول يقول: «تصاميم تعكس شخصيتك»، فيخاطب الهوية والرغبة في التميّز.
بينما علامة ماكس تقول: «ملابس عملية لكل يوم»، فتخاطب البساطة والاعتمادية.
نفس القماش، لكن الإطار هو ما يصنع المعنى.
الخاتمة
من يملك الإطار يملك القرار
التأطير الإعلامي ليس مجرد أسلوب لغوي، بل هو أداة إستراتيجية في السوق المحلي والعالمي في يد كل مسوّق، بدءًا من بائع في سوق عكاظ الحديث إلى مدير علامة تجارية عالمية.
من يعرف كيف يضع المعلومة في إطار ذكي، يملك القدرة على توظيف كلمات تغيّر المشاعر، والمشاعر تغيّر القرارات، والقرارات تغيّر السوق.
المعلومة قد تكون متاحة للجميع، لكن العدسة التي تُعرض بها هي ما يصنع الفرق.
المصادر
